محمد كرد علي

58

خطط الشام

لا تسكن من حدود شبه جزيرة العرب آخذة في الغرب إلى جبال الشام والشواطىء الواقعة من الجهة الشرقية إلى البادية من الفرات الأسفل المخصبة . هذه الصحراء لم تبرح موطن أبناء إسماعيل العرب ، ينصبون فيها خيامهم ويرعون أنعامهم ويطاردون على خيولهم المطهمة القبائل المعادية لهم أو يغزون التجار الآتين مع القوافل . ولما كان الملك تيغران قد أخذ بأيدي أبناء البادية لحاجته إليهم في التجارة اهتبلوا الغرة في هذا الاضطراب الذي جعل أمور الشام فوضى ليتوسعوا في الشمال ، وكان للقبائل القريبة من الشام ممن كانوا على شيء من الحضارة القدح المعلّى في هذا الشأن . وكان زعماء قبائل البادية أشبه بعصابات منفردة يساوون أبناء البادية ويفوقونهم في قطع الطرق والإضرار بالسابلة . وهكذا شأن بطلميوس بن مينوس ، وربما كان أقوى هؤلاء اللصوص وأغنى أهل عصره . وكان يحكم إقليم الإيطوريين ، أي الجبليين ، وهي كور الدروز اليوم في أودية جبل لبنان ، وحكمه نافذ من الشطوط إلى بعلبك ، وهكذا حال ديونيزوس وكنيراس صاحبي مدينتي طرابلس وجبيل . ومثل ذلك كان شأن اليهودي سيلاس في قلعته على مقربة من أفامية على العاصي . مملكة يهودا وانقراض اليهود : حاول اليهود في جنوبي الشام توطيد سلطانهم السياسي ، فأنشأ المكابيون وهم يهود يحترمون عبادتهم ويقدسونها ، حتى توصلوا بذلك إلى إنشاء مملكة وراثية ، جمعت إلى الرئاسة الدينية الرئاسة الدنيوية ، ثم فتحوا كورا في الشمال والشرق والجنوب . ولما مات الشجاع جاني الكسندر سنة 675 كانت مملكة يهودا ممتدة نحو الجنوب إلى جميع أرض الفلسطينيين حتى التخوم المصرية ، ونحو الجنوب الشرقي إلى مملكة النبطيين في البتراء ، وإلى الجنوب إلى ما وراء السامرة والمدن العشر إلى بحيرة طبرية . فكانت الشواطىء بأيدي اليهود من جبل الكرمل إلى العريش وفي جملتها مملكة غزة . وكانت عسقلان مدينة حرة . وأصبحت مملكة اليهود مرافىء حرة للصوص البحار بعد أن كانت مفصولة عنها فيما غبر من الأيام .